عائلات
مفككة

لقد أسفر الصراع الدائر في سوريا، الذي يسير في عامه الثالث الآن، عن تفكك عدد لا يُحصى من العائلات. فقد نزحت مجتمعات كاملة وتفرقت أعداد ضخمة داخل سوريا ولجأ ما يزيد عن مليوني شخص إلى البلدان المحيطة.

وقد تضرر الأطفال بصورة خاصة، حيث بات العديد منهم لاجئين؛ انفصل بعضهم عن أحد والديه أو كليهما وأحياناً ما يكونون غير مصحوبين على الإطلاق بأي شخص بالغ يقدم الرعاية لهم.

عائلات مفككة

روح الفريق
UNHCR

عبدالله، وبمساعدة كاميرا صغيرة يروي قصته حول اضطراره للعمل وذلك لتوفير القوت اليومي لعائلته.

سلط الضوء على حجم المشكلة أثناء مناقشات مجموعة التركيز والمقابلات التي أجريت في أنحاء الأردن ولبنان. وقال 43 طفلاً من أصل 202 طفل تم إجراء مقابلات معهم إن واحدا ً على الأقل من أفراد عائلتهم من الدرجة الأولى إما ُقتل وإما احتجز وإما أصبح في عداد المفقودين.

وينشأ عشرات الآلاف من الأطفال النازحين في الأردن ولبنان دون آبائهم: واعتبارا ً من 30 سبتمبر/أيلول 2013، بلغ عدد الأسر التي تعولها امرأة في الأردن 41,962 أسرة، فيما وصل العدد في لبنان إلى 36,622 أسرة. ولا يقتصر الأمر على غياب الآباء فقط، ولكن العديد من الأطفال لا يعرفون مكانهم أيضاً..

أفراد من العائلة في عداد المفقودين

مفقودون
UNHCR/E.Dorfman

رحاب وأطفالها في شقتهم بالقبيات في لبنان، يقفون حول كرسي شاغر، عليه عباءة والدهم الذي قُتل إثر قصف حيهم في حمص بسوريا.

بحلول نهاية سبتمبر/أيلول 2013، قامت المفوضية بتسجيل 2,440 طفلاً غير مصحوب بذويه أو منفصلاً عنهم في لبنان، وبلغ العدد في الأردن 1,320 طفلاً- أكثر من 3,700 طفل في المجمل.

انفصل أطفال غير مصحوبين بذويهم عن كلّ من والديهم وأقاربهم الآخرين ولا يحصلون على رعاية أي من الأشخاص البالغين المسؤولين عن القيام بذلك بحسب القانون أو العرف. والأطفال المنفصلون عن ذويهم هم من انفصلوا عن ِكلا والديهم أو عن الشخص الذي كان يقدم لهم الرعاية بصورة أساسية في السابق حسبما يمليه القانون أو العرف، وليس بالضرورة عن أقاربهم الآخرين. ولذلك، قد تشمل تلك الحالات أطفالاً مصحوبين بأفراد آخرين بالغين من العائلة.

ولا تعكس تلك الأعداد بالضرورة حجم المشكلة أو مدى تعقدها بدقة. وتقول إيلسا لورين، منسقة شؤون حماية الأطفال بالمفوضية في لبنان: إن الأطفال اللاجئين الذين يفرون من سوريا بمفردهم عادة ما يكونون يعرفون مكان أحد أفراد العائلة على الأقل وكيفية الاتصال به. ويتم لم شمل الكثيرين على وجه السرعة أو يتم الترحيب بهم في منازل لاجئين سوريين آخرين.

وتوضح المقابلات التي أجريت مع الأولاد والفتيات في الأردن ولبنان الأسباب المختلفة التي أدت إلى كونهم منفصلين أو غير مصحوبين بذويهم. فقد يكون الأبوان لقيا مصرعهما أو احتجزا أو أرسلا أطفالهما بمفردهم سعياً للأمان أو تجنباً للتجنيد العسكري.

وفي بعض الأحيان، يقوم الآباء بإرسال أبنائهم قبل العائلة للعثور على عمل ومكان للعيش. وفي إحدى الحالات، قامت عائلة بإرسال طفل يبلغ من العمر عشرة أعوام إلى لبنان ليرى ما إذا كان الوضع آمناً هناك أم لا.

العيش دون كلا الأبوين

خالد

لا تعكس قصة خالد، الذي يبلغ من العمر 15 عاماً، في مخيم الزعتري بالأردن الألم والضغط والخوف الذي يشعر به الأطفال غير المصحوبين والمنفصلين عن ذويهم فقط، وإنما أيضاً مدى قوتهم في مواجهة مستقبل غامض ومسؤوليات جديدة.

وعندما سُئل عما إذا كان يشعر بافتقاد أمه، سحب طرف قبعة البيسبول إلى أسفل لإخفاء وجهه وبدأ في البكاء قائلاً: "أفتقد الذهاب إلى المنزل وأن أجدها فيه. أفتقد وجودها حولنا والجلوس معها ورؤية وجههاً حقاً".

طُلق والداه قبل اندلاع الصراع. ومع تصاعد حدة القتال، فرت والدة خالد باتجاه الشمال إلى إدلب في 2012، فيما ظل والده في درعا. وبعد مرور وقت قصير، قام خالد وأخوه وأختيه وعدد من خالاته وأبناء عمومته بالهروب إلى الأردن للانضمام إلى أفراد الأسرة الممتدة، فيما بقي الأب هناك.

وخلال فترة استغرقت خمسة أشهر في مخيم الزعتري، تخلى جميع أفراد العائلة الممتدة عن خالد واخوته.

عادة ما يكون الضغط الذي يشعر به هذا الصبي المراهق من أجل حماية أخوته وإعالتهم في بلد غريب بالغ الأثر.

ويقول: "كان الأمر مخيفاً. أصبحنا بمفردنا تماماً بصورة مفاجئة، ووجدت نفسي مسؤولاً عن أخوتي... لن أسامح نفسي أبداً إذا حدث لهم أي شيء".

ودون وجود الأبوين أصبح خالد حامياً للعائلة، ولكن لقاء ثمن باهظ يدفعه من حساب تعليمه ومستقبله.

يرغب في الانتقال من المخيم، ولكنه سيكون بحاجة إلى إيجاد عمل وسداد إيجار شقة. ولديه هدفان على الدوام: أن يلتئم شمله بأمه، وأن يلتحق اخوته بالتعليم.

تقدم وكالات الأمم المتحدة والشركاء المساعدة في لم شمل الأطفال غير المصحوبين بذويهم مع عائلاتهم بناء على رغبتهم ورهناً بما تقتضي مصلحتهم الفضلى1 وفي حال عدم إمكانية العثور على العائلات أو اقتفاء أثرها، تقوم المفوضية وشركاؤها بمساعدة الأطفال في إيجاد ترتيبات بديلة، مثل الإقامة مع عائلة أخرى في المجتمع، مع المراقبة المنتظمة لرفاههم وظروف معيشتهم.

وفي الأردن خلال الأشهر الستة الأولى من عام 2013، قامت وكالات الأمم المتحدة والشركاء بتحديد ترتيبات الرعاية في المخيمات والمناطق الحضرية لأكثر من 800 طفل غير مصحوب ومنفصل عن ذويه.

وبالعمل مع السلطات الأردنية واللبنانية، فإن المفوضية ومنظمة اليونيسيف بصدد وضع ترتيبات بديلة للرعاية داخل مجتمع اللاجئين. وسيتم تطبيق معايير واضحة من أجل تحديد العائلات المؤهلة ومراقبتها.

كما عملت المفوضية ومنظمة اليونيسيف مع الحكومة الأردنية لتطوير إجراءات وطنية ومبادئ توجيهية خاصة بالرعاية البديلة. وسيتم تطبيقها على الأطفال السوريين اللاجئين غير المصحوبين أو المنفصلين عن ذويهم.

منزل جديد

بعيداً عن الوطن
UNHCR/E.Dorfman

مريم، 11 عاماً، التي تقف أماماً إلى اليمين، كانت تتناول الفطور في منزلها بسوريا عندما سقطت قذيفة على المطبخ وتسببت في مقتل والدتها. استقدمت إلى عائلة أخيها خارج بيروت حيث تعيش الآن

تُعد الضيافة سمة أساسية من سمات التقاليد العربية. وقد فسر الأمر ولد يبلغ من العمر 14 عاماً من حلب قائلاً إن السوريين يساعدون بعضهم بعضاً لأن "في سوريا يوجد إخلاص بين الناس الذين يعرفون بعضهم بعضاً". حتى أن الأشخاص الغرباء تماماً في مجتمع اللاجئين كانوا مستعدين لفتح أبواب منازلهم أمام الأطفال غير المصحوبين. وفي مخيم الزعتري بالأردن، على سبيل المثال، قامت 59 عائلة بالتسجيل في القائمة الاحتياطية لدى لجنة الانقاذ الدولية لكي يمنحوا الأطفال غير المصحوبين بذويهم رعايتهم اعتباراً من يوليو/ تموز 2013.

حسن الضيافة

ماهر

المرة الأخيرة التي رأى فيها ماهر -البالغ من العمر 16 عاماً- والده كانت قبل عامين تقريباً.

احتجز هو ووالده قبل فرار عائلته من القتال في سوريا. تعرض ماهر للتعذيب إلا أنه أُطلق سراحه بعد مرور تسعة أيام. ولكن الحظ لم يحالف أباه: فهو لا يزال في عداد المفقودين.

يعيش ماهر الآن في الزرقاء بالأردن، حيث أصبحت أمه الشخص الوحيد الذي يقدم الرعاية لإخوته الستة الذين تتراوح أعمارهم بين أربعة أعوام و18 عاماً. حيث تقول: «أنا ك ٌّل من الأم والأب».

يرغب ماهر فقط في عودة حياته السابقة.

يقول: «ستكون أمنيتي الأولى هي العودة إلى سوريا وإطلاق سراح أبي. وبعد ذلك عودة الأمور إلى مجراها السابق».

وإلى أن يتحقق ذلك، يقوم بمواجهة تحديات جديدة وبناء حياة جديدة. فهو يخشى العمل –حيث لا يستطيع العمل بصورة قانونية ويخشى الاعتقال- ولكنه رغم ذلك يجب أن يساعد في دعم عائلته. ويشتغل في أعمال بناء قصيرة الأجل وقتما يمكنه ذلك، ولكن الآثار الدائمة الناجمة عن التعذيب الذي تعرض له في سوريا تجعله غير قادر على العمل إلا لأيام قليلة وفي الوقت الذي لا يشعر فيه بألم في كتفه.

تجسد إحدى العائلات السورية مدى قوة مجتمع اللاجئين وقدرته على التكيف. ومن منطلق الخوف على سلامة أبنائهم، قام والدا خالد وريم وعادل بإرسالهم إلى الأردن بمفردهم. فقد تورط خالد البالغ من العمر 13 عاماً في مسيرات احتجاجية بالشوارع وكان يُخشى عليه من العواقب؛ فيما كانت ريم، التي تبلغ من العمر 15 عاماً، عرضة للعنف الجنسي؛ وواجه عادل البالغ من العمر 16 عاماً التجنيد العسكري.

وقبل مغادرتهم لسوريا، صنعت لهم والدتهم خيمة لا يزالون يعشون فيها إلى اليوم. وعلى مدار أكثر من عام منذ وصولهم، عاشوا في مجتمع للاجئين السوريين يقع بالقرب من الحدود السورية. ورغم عدم معرفتهم بأحد من حولهم في البداية، إلا أن جيرانهم كانوا يمثلون شبكة قوية لدعمهم. فالرجال يعملون إن أمكن ذلك، ويتقاسمون طعامهم وأموالهم مع غيرهم داخل المجتمع، ويمنحون الأطفال الثلاثة غير المصحوبين بذويهم رعاية خاصة. وقد عمل عادل، الابن الأكبر، إلى جانب الرجال سواء في الزراعة أو في قطف الثمار.

تم تسجيل الأطفال لدى المفوضية في أبريل/نيسان 2013. وحصلوا على دعم مالي ومادي – شمل توفير المراتب والبطانيات والأدوات المطبخية- من خلال الهيئة الطبية الدولية، وهي إحدى شركاء المفوضية.

والآن يقوم موظف إدارة الحالات التابع للهيئة الطبية الدولية بزيارتهم كل أسبوعين لمراقبة رفاههم. لم يعد عادل بحاجة إلى العمل، فيما بدأ خالد الدراسة مؤخراً. ولم يقبل الأطفال المساعدة في العثور على شقة إذ فضلوا العيش في خيمة بحيث يمكنهم حزم أمتعتهم والعودة إلى سوريا بمجرد قدرتهم على القيام بذلك في أمان.

وفي يونيو/حزيران 2013، فر صديق والدهم المقرب من سوريا وسعى لإيجاد الأطفال بنا ًء على وصيته. ومن ثم انتقلوا إلى مجتمع آخر للاجئين السوريين برفقة الرجل الذي يدعونه الآن «عماه». فهو شخص بالغ يقدم لهم دعماً له قيمة، وذلك رغم إصرار عادل على أنه لا يزال مصدر الحماية الرئيسي لإخوته. وترى ريم في نفسها من يقوم بدور والدتهم.

بمفردهم في المنزل

لا يوجد تعبير صادق يعبر عن روح المجتمع أكثر من طريقة معاملته لأطفاله

~ نيلسون مانديلا ~

تقع على عاتقنا جميعاً مسؤولية حماية أطفال سوريا، أن نروي قصصهم وأن نرفع الوعي بشأن محنتهم إلى أن يتمكنوا من العودة إلى الوطن. نرجو التفكير في تقديم التبرعات (أو الدعم) أو التواصل والمشاركة.

  → قدموا لهم الدعم  

التالي
1 تُو َّجه جميع الإجراءات المتعلقة بالأطفال من ِقبل مبدأ المصلحة الفضلى للطفل، الذي يتم تطبيقه أثناء إجراء تقييم المصلحة الفضلى وعملية تحديد المصلحة الفضلى. انظر المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين: التوجيهات الإرشادية لتحديد المصلحة الفضلى للطفل، جنيف، 2008، والمفوضية ودليل لجنة الإنقاذ الدولية، والدليل الميداني لتنفيذ التوجيهات الإرشادية الخاصة بالمفوضية لتحديد المصلحة الفضلى، جنيف 2011.

خطأ في الإستمارة

 

 

جاري الإرسال

!لقد تم إرسال الرسالة

 

.نشكر لكم دعمكم في نشر هذا التقرير
!تم ارسال البريد الالكتروني بنجاح

خطأ في إرسال البريد الإلكتروني

 

.حصل خطأ أثناء معالجة رسالتك
.يرجى التحقق من البريد الإلكتروني والمحاولة مرة أخرى

،مازال بإمكانك نشر هذا التقرير
:عبر نسخ الرابط التالي ولصقه في المكان المخصص

أطفال سوريون لاجئون

في كل يوم، يُجبر الصراع في سوريا آلاف الأطفال السوريين على الفرار من بلدهم.

في كل يوم، يُجبر الصراع في سوريا آلاف الأطفال السوريين على الفرار من بلدهم.